مروان حمادة يوقّع «لبنان، عسل ودم»: شهادة رجلٍ نجا من الاغتيال ليواصل كتابة الحياة
Monday, 12-Oct-2026 07:33

في بلدٍ تتزاحم فيه الأحداث وتتعثر فيه كتابة الذاكرة، يكتسب إصدار مروان حمادة مذكراته معنى يتجاوز المناسبة الثقافية. فالرجل الذي تنقّل بين الصحافة والسياسة والعمل الحكومي، وعرف الحرب من مواقع الشاهد والمشارك والضحية، يضع تجربته أمام القرّاء. وبين «العسل» و»الدم»، يختصر عنوان كتابه مفارقة لبنانية موجعة: وطن يمتلك أسباب الحياة، وتلاحقه أدوات الموت؛ وذاكرة ينهض أصحابها، مرّة بعد أخرى، ليمنعوا العنف من احتكار روايتها.

في هذا الإطار، وقّع النائب مروان حمادة، السبت 10 تشرين الأول 2026، مذكراته الصادرة بالفرنسية عن «دار شرق الكتاب»، بعنوان «لبنان، عسل ودم: مسيرتي عند مفترق الحروب التي لم تنتهِ»، ضمن فعاليات الدورة الـ67 لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب. وجاء اللقاء في الواجهة البحرية للعاصمة، في مناسبة جمعت الاحتفاء بالإصدار واستعادة محطات من مسيرة صاحبه.

 

حضر الندوة رئيس الحكومة نواف سلام، والرئيس تمام سلام، ووليد جنبلاط، والوزيرة السابقة مي شدياق، ورئيسة النادي الثقافي العربي سلوى السنيورة بعاصيري، إلى جانب مهتمين بالشأنَين الثقافي والسياسي. وأدار الحوار الصحافي عيسى غريب. ويمنح هذا الحضور المناسبة دلالة إضافية: حول الكتاب التقت شخصيات عرف بعضها حمادة في المسؤولية، وبعضها في النضال السياسي، وبعضها في تجربة مواجهة العنف وثمن البقاء في المجال العام.

 

وسجّلت التغطيات جلوس جنبلاط بين الحضور في الصفوف الخلفية، فيما شارك المحامي زياد الخازن ممثلاً النائب طوني فرنجية. ويمكن قراءة هذا التنوُّع في الحضور بوصفه تعبيراً عن مكانة صاحب المذكرات، وعن قدرة المناسبة الثقافية على فتح مساحة لقاء تستوعب العلاقات الشخصية واختلاف المواقع السياسية.

 

مداخلة حمادة

في مداخلته، استعاد حمادة تأثير جمال عبد الناصر في شباب لبنان بمختلف طوائفهم، وأدرج نفسه ضمن جيل انجذب إلى التجربة الناصرية وإلى القضية الفلسطينية وفكرة المقاومة الشعبية. وتوقف عند أهمية الاعتراف بحدود لبنان وتثبيتها لدى الأمم المتحدة، كما تناول العلاقات الدرزية المسيحية وما عرفته من تقارب أعاقته حسابات وعقليات مختلفة. واستعرض، خلال الحوار، جوانب من تجربته الصحافية والسياسية.

 

تفتح هذه المحاور باباً لقراءة العلاقة بين حماسة البدايات وحصيلة التجربة. فالعودة إلى زمن الناصرية والقضية الفلسطينية تستدعي أسئلة جيل، رأى مستقبله مرتبطاً بتحوُّلات المنطقة. أمّا التشديد على الحدود، فيعيد النقاش إلى الدولة وسيادتها. وبين المحورَين، يبرز السؤال الذي يرافق التجربة اللبنانية: كيف ينفتح لبنان على محيطه، ويحفظ في الوقت نفسه حقه في تقرير مصيره؟

 

وتستحق الإشارة إلى العلاقات الدرزية المسيحية التوقف أيضاً. فذاكرة الجبل تحمل صفحات التقارب والانقسام معاً، وأي شهادة عن هذه العلاقة تصبح أكثر فائدة حين تساعد في فهم أسباب الانكسار وشروط تجاوزه. ومن هذه الزاوية، تتيح مذكرات شخصية عاشت التحوّلات فرصة لإعادة النظر في الخيارات، وقراءة المصالحة باعتبارها عملاً مستمراً يحمي الناس من تكرار المآسي.

 

يقع الكتاب في 424 صفحة، ويقدّمه الناشر شهادة تمتد على أكثر من نصف قرن من التاريخ اللبناني والشرق أوسطي. تتصل فيه جذور الشوف بجذور حمادة الفرنسية في الأوفرن، وتتجاور بيروت مع باريس وقبرص وسايغون. ويستعيد مساراً تشكّلت فيه الشخصية عبر الصحافة والسياسة والتعليم، بما يمنح السيرة اتساعاً يتجاوز الحدود المحلية.

ويشرح هذا الامتداد جانباً من خصوصية حمادة. فقد أتاحت له تجربته أن ينظر إلى لبنان من داخله ومن خارجه، وأن يجمع معرفة المجتمع اللبناني بالاحتكاك بعواصم وتجارب أخرى. وتلك قيمة أساسية في العمل العام: القدرة على فهم التفاصيل المحلية، من دون فقدان الصورة الأوسع التي تحدّد موقع البلد وحدود قدرته على التأثير.

 

للصحافة موقع تأسيسي في هذه المسيرة. ففي قراءته للكتاب في «لوريان لوجور»، يستعيد ألكسندر نجار تجربة حمادة مراسلاً في «لوريان لوجور» و«النهار»، وتنقلاته إلى فيتنام والصين وقبرص. ومن الوقائع التي يعرضها، وجوده في قبرص عام 1974، حيث وجد نفسه عالقاً في فندق تحوّل إلى ساحة قتال، ثم في السجن.

هنا تظهر قيمة الصحافي الذي اختبر الخبر قبل أن يصبح موضوعاً له. فالمراسل يتعلم الإصغاء، وملاحقة التفاصيل، والتمييز بين الرواية وما تخفيه. وحين يحمل هذه الخبرة إلى السياسة، تصبح لديه أدوات إضافية لفهم الأشخاص والوقائع. وفي مذكراته، يتيح حمادة للقارئ الاقتراب من هذه الصلة بين مهنة تقوم على طرح الأسئلة وحياة عامة تفرض اتخاذ المواقف.

 

وتعرض مراجعة نجار انتقاله إلى العمل الحكومي عام 1980، ثم تحمّله مسؤوليات في الصحة والمهجرين والاقتصاد والاتصالات والتربية والتعليم العالي. كما تشير إلى استعادته ملفات صحية، بينها المستشفيات الحكومية والتلقيح والرعاية الأولية، في سياق عرضه حصيلة تجربته الوزارية. وهي صفحات تضع عمل المؤسسات إلى جانب الوقائع السياسية والأمنية الكبرى.

 

وتمنح هذه المسؤوليات المتنوّعة السيرة بعداً عملياً. فالسياسة تُختبر أيضاً في الخدمات العامة، وفي المدرسة والمستشفى، وفي قدرة الإدارة على الاستجابة للناس. ومن الإنصاف، عند الاحتفاء بمسيرة طويلة، التوقف عند هذا الجانب الذي غالباً ما تطغى عليه المعارك السياسية، مع إبقاء حصيلة كل تجربة مفتوحة للقراءة والتقييم.

 

مَن حضر في الكتاب؟

أمّا الشخصيات الحاضرة في الكتاب، فتشمل، وفق الناشر، غسان تويني وكمال ووليد جنبلاط ورفيق الحريري وموسى الصدر وياسر عرفات، إلى جانب قادة عرب ودوليّين. ويضمّ الإصدار محاضر من إفادات حمادة أمام المحكمة الخاصة بلبنان. وبذلك يجمع بين الذاكرة الشخصية ومادة توثيقية، تتيح للباحثين والصحافيّين العودة إلى شهادة صاحبها ومقارنتها بمصادر أخرى.

 

ومن المقتطفات، روايته عن لقاء مع حافظ الأسد في 12 أيلول 1982، ينسب إليه خلاله عبارة «انسوا بشير»، قبل يومَين من اغتيال بشير الجميّل. وتتناول المقتطفات أيضاً نقاشات سياسية جرت أثناء حصار بيروت، والخيارات التي كان حمادة يدعو إليها آنذاك، ومنها تمديد ولاية إلياس سركيس وتشكيل حكومة مصالحة وطنية. وهذه تبقى روايته للأحداث، بما تستدعيه من تدقيق ومقارنة تاريخية.

 

تنبع أهمية هذه الشهادات من قرب صاحبها من الوقائع. فالتاريخ يحتاج إلى الوثيقة، ويحتاج أيضاً إلى روايات المشاركين: ماذا سمعوا؟ وكيف فهموا ما جرى؟ وأي بدائل اعتقدوا أنّها كانت ممكنة؟ وكل شهادة منشورة توسّع مساحة البحث، وتحمّل صاحبها مسؤولية ما يرويه، وتمنح الأجيال الجديدة مادة للنقاش تتجاوز الشعارات المتوارثة.

وفي قلب المسيرة، يبقى الأول من تشرين الأول 2004 تاريخاً فاصلاً. يومها استهدفت سيارة مفخخة حمادة قرب منزله في عين المريسة. نجا مصاباً، وقُتل مرافقه غازي بو كروم، وأصيب سائقه. وقد وثّقت التغطيات المعاصرة للجريمة حجم الاعتداء والإدانة الواسعة التي أعقبته، فيما رأى رئيس مجلس النواب نبيه بري يومها أنّ الاستهداف يطاول لبنان كله.

 

ولا تكتمل استعادة النجاة من دون ذكر المرافق الذي فَقَد حياته. فالاغتيال يخلّف ضحايا وعائلات وجروحاً تتجاوز الاسم السياسي المستهدف. وفي الاحتفاء بحمادة، يستحق غازي بو كروم أن يبقى حاضراً في الذاكرة، لأنّ الوفاء للتجربة يقتضي الوفاء لمن دفعوا أثمانها، ولأنّ رواية الحياة بعد الجريمة تبدأ بالاعتراف الكامل بما أخذته.

 

العودة إلى الكتابة

تمنح عودة حمادة إلى الكتابة والشهادة معنى خاصاً للصمود. فالناجي يحمل عبء ما جرى، ويواجه مهمّة الاستمرار بعده. وتحويل التجربة إلى مذكرات يتيح للألم أن يدخل المجال العام بوصفه معرفة قابلة للنقل، ويمنح مواجهة النسيان شكلاً عملياً: أسماء وتواريخ ووقائع وأسئلة محفوظة بين دفتي كتاب.

 

وللفكر والثقافة مكانهما في هذه الصورة. صلة حمادة بالعروبة والفرنكوفونية، وإلى دوره في معرض «لبنان، الضفة الأخرى» في معهد العالم العربي. ويكشف هذا الاهتمام وجهاً من مسيرته، يرى في الثقافة وسيلة للتعريف بلبنان وإبراز غناه الإنساني والحضاري أمام العالم.

لهذا يستحق إصدار المذكرات الاحتفاء: لأنّه يضيف شهادة إلى الذاكرة اللبنانية، ويعيد تقديم مسيرة جمعت فضول الصحافي ومسؤولية السياسي وانفتاح المثقف. والإشادة بهذه المسيرة تكتسب قوّتها من الوقائع، ومن استمرار صاحبها في المشاركة والسؤال، ومن استعداده لوضع تجربته أمام القرّاء، بما تحمله من خيارات ومراجعات.

 

في حفل بيروت، حمل توقيع مروان حمادة دلالة رجل بقي حاضراً بعدما استُهدفت حياته. وبين العسل والدم، يقدّم كتابه للبنانيّين مناسبة للتفكير في وطنهم، وفي كلفة الحروب، وفي قيمة الشهادة. لقد نجا ليواصل الكلام؛ وها هو يضع كلامه في عهدة الذاكرة، حيث تستطيع الأجيال المقبلة أن تقرأ، وتسأل، وتحاكم الخيارات بنتائجها.

الأكثر قراءة